النادي السري للمتمردين على المألوف
هذا المقال لا يفسر أي شيء بحتمية بل يأخذ بيديك لتسبح في أسرار الروح
قبل أن نبدأ أريد أن نتوقف عن فكرة أن الروائح تجعلنا نبدو نظيفين اترك هذه المهمة للصابون وهيا لننظر في لوحة الروائح المتمردة.
هل تستطيع ارتداء رائحة تحاكي البيت في صباح الجمعة أي خليط أشعة الشمس والبخور وثياب أبيك المطرزة بعطره؟ أو رائحة مساء شتوي أنيس معتق بالمُقبّلات والشاي والبرتقال الذي لا تمل أمك من تقشيره! أو حتى رائحة الصفو بداية معانقة المطر للأرض العطشى؟ أو رائحة حقيبة السفر الخاصة بالهدايا؟ أو رائحة أول يوم مدرسة؟
ارتبط نسيم الصبا دائماً بالحنين، فحين تهب الصبا تفتح جراح الشوق وتذكر الشعراء بأيام الوصل
يُحكى أن العرجي كان يخرج في أزقة مكة، فإذا شمّ رائحة "الغالية" (وهو مزيج معقد من المسك والعنبر والعود، يُطبخ بطريقة خاصة) تعبق في زقاق معين، عرف أن محبوبته قد مرت من هنا منذ وقت قصير، كان يتبع الأثر العطري كما يتبع البدوي أثر القافلة حتى يصل إلى المكان الذي استقرت فيه، فيقف بعيداً ليناجي طيفها.
ولما سُجن العرجي في أواخر حياته قضى في السجن سنوات طويلة، تغير فيها كل شيء؛ ضاع ماله، وشاب شعره، ونُسي اسمه.
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا!
لكن، يُروى أن رائحة "الغالية" ظلت هي السلوى في الضياع ففي سجنه، كان إذا هبّت نسيمات مكة، استنشق الهواء بعمق باحثاً عن بقايا عطرها، وكأن الرائحة هي رسالة الوفاء التي تؤكد له أنها ما زالت موجودة، وأن العهد لم ينقطع.
لماذا الرائحة تحديداً؟
بينما تمر الحواس الأخرى عبر فلاتر المنطق والعقل، تتسلل الرائحة كـ لص ماهر يغتالك عبر الأبواب الخلفية للدماغ. إنها تذهب مباشرة إلى "الحصين" و"اللوزة الدماغية"، حيث تُحفظ مشاعرنا الخام وذكرياتنا الأكثر صدقاً.
الرائحة تمنحنا "روح" الماضي.
إنها الحاسة الوحيدة التي لا تعرف المجاملة؛ فهي لا تخبرك بما حدث، بل تجعلك تشعر بما شعرت به حينها! عطرُ معطف قديم قد يُعيد لك رجفة اللقاء الأول ولمسة أول فتاة أحببتها، ورائحة بخورٍ معينة قد تجعلك تسمع ضحكاتٍ غابت تحت التراب منذ سنين.
العطر هو المادة الوحيدة التي لا يمكن للذاكرة أن تخطئ في تهجئتها.
...
"كأن فتيت المسك ذرَّ سحيقُه
مع الصبح في أكوارهم والنمارق
إذا رحلوا عن منزل غادروا به
مهاجاً لمشتاق وطيباً لناشق"
...
لأن رحلة الروائح لن تنتهي بمرور الزمن؛ تعال معي للنادي السري لعطور النيش (Niche)؛ حيث لا قواعد هنا، العطار فيها لا يخبرك عن الشائع، بل يسألك عن إلف روحك أو مَن تريد أن تكون عليه اليوم؟
في عالم النيش، الزجاجات تتشابه لأن المحتوى أثمن من التصنيف والمكونات قد تكون أندر من الذهب والروائح لا توضع في قالب رجل أو امرأة، بل تتمرد بـ جرأة وتحكي قصتها الخاصة.
إذا كنت تعتقد أن العطر هو مجرد زينة ترتديها قبل الخروج، فاستعد.. لاكتشاف أنك مخطيء وحان وقت إحياء هويتك الحقيقية!
عطور النيش هي سينما عالم الروائح الحرة، الدراما الخيالية التي تأخذ بروحك للواقع إنها تُصنع لترضي ذوقاً فنياً خاصاً، بعيداً عن هوس العلامات التجارية.
أنفك.. آلة زمن بيولوجية
ارتبطت العطور في صغري بالفتنة والإغواء وسر القرب والجاذبية، إلى أن قدمتني أنفي في زمن كورونا إلى نعمة الرائحة والآن تقدمني إليها بوعي، أعصابي!
ففي اللحظة التي تضغط فيها على بخاخ العطر، أنت لا تنثر رذاذاً جميلاً فحسب، بل تُرسل برقية عصبية مشفرة إلى أعماق دماغك، قادرة على تغيير مزاجك في ثانية، أو إعادتك عشر سنوات إلى الوراء.
هل حدث أن كنت تسير في شارع مزدحم، وفجأة، اخترق هدوءك رائحةُ خبزٍ ساخن أو عشبٍ مبلل، فشعرت بـسحبة عنيفة تعيدك أعوامًا إلى الوراء؟ في تلك اللحظة، أنت لم تتذكر الماضي فحسب، بل عشته بكل تفاصيله.
هذا هو "تأثير بروست" الذي أطلق عليه العلماء هذا الاسم تيمناً بالروائي الفرنسي "مارسيل بروست"، الذي كتب في روايته "بحثاً عن الزمن المفقود" كيف أن قطعة كعك "المدلين" المغموسة في الشاي - حين لامست رائحتها حواسه، أعادت تشكيل طفولته بالكامل أمام عينيه، ليس كفكرة، بل كشعور حي.
يمكنك تخيل المشهد من فيلم "Ratatouille" حين تذوق الناقد أنطوان إيجو الخلطة بيطة بالصلصة من صنع الفأر وانسحب بذاكرته إلى غرفة مشمسة في ريف طفولته الفرنسي مطمئنا بابتسامة أمه الهادئة وعينيها اللامعتين بالحب!
رائحة الموت
ترتبط رائحة الكافور في ذهني برهبة الموت وبرودة جسد الميت.. لدرجة أنني بكيت بنشيجٍ مسموع وسط جمع من الأصدقاء لأنني وسط رحلتنا شممت من درويشٍ في حي من أحياء القاهرة القديمة رائحة الكافور أذكر بالفعل استنادي على سور مسجد عمرو بن العاص منهارة من فقد يخرج من أعماق روحي أبكي فيه جميع الراحلين!
ارتبط الكافور بالحزن والفقد ليس ارتباطاً بالرائحة ذاتها بل ارتباط شرطي متجذر في الوجدان الجمعي، خاصة في الثقافة العربية والإسلامية، هذا الارتباط يحول الكافور من مجرد مادة نباتية إلى أيقونة عطرية للعالم الآخر.
في لحظات الفقد، تكون الحواس في حالة استنفار قصوى، وتُطبع الروائح في الذاكرة العميقة التي تحدثنا عنها في تأثير بروست. وبما أن الكافور هو الرائحة المهيمنة في طقوس الجنائز وغسل الموتى، فقد أصبح بالنسبة للكثيرين الموسيقى التصويرية للغياب.
الكافور رائحة باردة جداً، تكاد تكون جليدية، وكأن البرودة إشارة إلى الوحدة وانقطاع الحرارة الإنسانية.
بينما يرمز المسك والعنبر للدفء وحركة الحياة، يمثل الكافور توقف الزمن. هذا التناقض هو ما يجعل رائحته تثير في النفس شعورا بالهيبة التي تشبه الحزن، شعورا يذكرنا بـهشاشة الجسد أمام الروح.
هنا الرائحة لا تمثل الشخص الراحل فحسب، بل تمثل اللحظة الفاصلة بين وجوده وغيابه.
وسنة الله في الأحباب أن لهم
وجها يزيد وضوحا كلما ابتعدا
كأنهم وعدوني في الهوى صلة!
رائحة الكراهة
لم أكن أعلم أن جهازي العصبي يتأهب للروائح لهذه الدرجة وسيكون له استنفار في ذاكرتي عن الروائح، في وقت تدريبي في مستشفى العباسية وفي قسم ٤٠ رجال تحديدا كانت هناك رائحة قدمني القسم إليها جبرا.. كأنني مغمورة بالعطن والكمكمة أو مضحوك عليّ برائحة الكلور المستخدم للتنظيف.. أقول لك باختصار، هل شممت رائحة القهر؟ - نعم هي أسوء إهانة لأنفك.
تشير بعض الدراسات إلى أن البشر -بشكل غير واعي- يمكنهم شم "رائحة العدوانية" لدى الآخرين. إنها رائحة حادة، منفرة، تضع الجهاز العصبي في حالة تأهب أو هروب. لذا، الكراهية رائحة بيولوجية وظيفتها التحذير من خطر وشيك!
من الناحية النفسية، نحن نربط الكره بالروائح التي تثير فينا الغثيان. الرائحة هي الحاسة الوحيدة المرتبطة مباشرة بمركز "الاشمئزاز" في الدماغ. لذلك، عندما نكره شخصا أو مكانا، قد نتخيل أن رائحتهم سيئة مهما وضعت العطور، لأن دماغنا أصدر حكماً عاطفياً مسبقاً برفض "الهوية الكيميائية للمكان".
تاريخياً، استُخدمت الروائح لتعزيز الكراهية العنصرية أو الطبقية، فكانت الطبقات الأرستقراطية تصف الفقراء بأن لهم رائحة كريهة لتبرير كراهيتهم وعزلهم.
الكراهية هنا لا تنبع من الرائحة نفسها، بل من وصم الآخر برائحة معينة لجعله أقل إنسانية.
في عالم عطور النيش، هناك توجه يسمى "العطور المظلمة" (Dark Fragrances) يستخدم فيها العطارون مكونات مثل:
المطاط المحروق، القطران، البارود، والمكونات المعدنية الصدئة.
هذه العطور لا تهدف لتجعل الشخص "جذاباً"، بل تهدف لتجسيد مشاعر قوية وصادمة مثل الغضب، الكراهية، أو الصراع. إنها عطور تحكي قصة الجانب المظلم من الإنسانية.
رائحة الحب
في الحب، هناك توقيع للروح.. لا توجد رائحة "جميلة" أو "قبيحة" بالمعنى المطلق، بل توجد رائحة أليفة أو رائحة تشعر معها بانتماء.. وهذا المعنى ربما يلخصه كلمة قالها النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديثه عن النظر من أجل الزواج " انظر إليها فإنه أحرى أن (يؤدم) بينكما" "الأُدَمَة": هي الخلطة والموافقة والإيلاف.. هذا المصدر من جذر يحمل معاني جاذبية الاجتماع الظاهري النافذ إلى الروح، فكلمة "إدام" مثلا تعني، ما يستمرأ به الخبز ويطيب من طعام،
و"الأديم" هو الظاهر الأليف أي أن أديم الليل ظلمته وأديم النهار بياضه ودعني أتركك لربط المعنى بكيمياء الروح المتفاعلة مع الظاهر.
العلم يخبرنا أننا ننجذب للأشخاص الذين يمتلكون بصمة شمية تكمل نظامنا المناعي، والأدب يجذبنا لرائحة تجعلنا نشعر أننا في البيت.
تأمل قليلا في "الأثر" الذي لا يزول!
فالعطر هو الشيء الوحيد الذي يبقى في الغرفة بعد رحيل الحبيب.. هو الذي يملأ فراغ الغياب على المعاطف، وبين طيّات الرسائل، وعلى وسائد النوم، في الحب، يصبح العطر امتدادا ظاهريا وجسديا للشخص، ولهذا يكون استنشاق عطر شخص تحبه بمثابة عناق روحي .
هنا في المَقعدِ الخالي
مِنَ الجمهورِ كلَّ مساءْ
ستجلِسُ أجملُ امرأةٍ،
لتسمعَ أجملَ الشعراءْ
وتنثُرَ عطرَها الأبديَّ
في قمصانِهِ البيضاءْ!
هوس العطر: روائح تمشي على الأرض!
في روايته "العطر: قصة قاتل" يحملنا زوسكند إلى
الانغماس في ملحمة شمّية، يرى فيها البطل "غرينوي" أن البشر يطيعون ويحبون ويكرهون بناءً على إشارات كيميائية تنبعث من جلودهم دون أن يدركوا، والجلد ليس مجرد غلاف، بل هو وثيقة تُعرض عليها أشعار الجذب والنفور، فنحن نحب الشخص لأن كيمياء جلده غنّت لأعصابنا أغنية ألفناها وشعرنا معها بدفء الوجود!
قامت الرواية على هوس غرينوي بـ تقطير رائحة جلود فتيات عذارى.. هو لم يكن يشتهي أجسادهن جنسياً، بل كان يشتهي "هالة النقاء" التي تنبعث من مسام جلودهن وهي هالة افتقدها في طفولته المنبعث منها رائحة سوق السمك الكريهة التي وضعته أمه فيه.
فرأى أن جلود العذارى تفرز رائحة تعبر عن البراءة أو الجمال المطلق.
بالنسبة للقاتل غرينوي، هذه الرائحة هي "إكسير الحياة" الذي يمكنه من خلاله استعباد قلوب البشر.
وهنا كانت هويّة غرينوي الشميّة..
فهلّا شممت هويتك ووضعت لها عنوانا؟


أنا مفتتنة بالمقال جدا جدا جدا وكأنه فتحلي شبك على دنيا جديدة
سلس وجميل للغاية ❤️