ظل الرحمة ومرفأ الكهف
سورة الكهف وشهر الرحمة
بين ضجيج الفتن وانتشار الرحمة، تقف سورة الكهف كل جمعة كـ هالةٍ من نور وعصمة من الفتن، تمنحنا سكينة في عالمٍ لا يهدأ. لم يكن الكهف مجرد قصة بل خارطة طريق للنفس البشرية وهي تعبر مفاوز الحياة الوعرة، وفي قلب كل عاصفة (فتنة) ذكرتها السورة، تبرز "الرحمة" كخيط وثيق يربط شتات القلوب ويلملم شعث الأفكار.
إن المتأمل في آياتها يجد أن الله لم يقدم لنا النصر أو الغلبة كحلٍ أول للفتنة، بل قدم "الرحمة" ففي غمرة الاضطهاد لم يسأل الفتية إلا "الرحمة" وفي مفرق العلم اللدني، لم يوصف الخضر إلا بـ "الرحمة"، وفي ذروة التمكين وبناء السدود، لم ينسب ذو القرنين الفضل إلا لـ "الرحمة".
لعلك تتسائل.. كيف تحول الرحمة الإلهية الكهف الضيق إلى فضاءٍ فسيح، والمنع إلى عطاء، والموت إلى حياة،
وكيف نلتمس في كل فتنةٍ تعترضنا "باباً للرحمة" يُنجينا من هلاك النوازل؟
هناك معانٍ كثيرة للرحمة في القرآن يمكن إفرادها جميعاً في سورة الكهف فكانت الرحمة معنى للرسالة والنجاة والحفظ والعصمة وشكر النعم.. وإليكم بعض ما جادت به السورة.
أولا: الفتية
في عمق الكهف الخفيّ المنسي، حيث يختنق الإيمان تحت وطأة الجور، نبتت زهور فتيان لم تقوَ عواصف الطغيان على كسرِ جذورها. لقد كان أصحاب الكهف صورة ثبات حقيقي وتوكل، رُسمت بنور الصدق في قلبِ الظلام.
لم يكن خروج الفتية من مدينتهم مجرد هروب من بطش ملك جبار، بل كان هجرة نحو اليقين الأبقى. تركوا القصور المشيدة والزينة الفانية واختاروا الكهف ذاك المكان الذي يعتبر ضيقا موحشا بينما رأوه اتساعاً لرحمة الله. لقد أدركوا يقينا أن الروح إذا اتصلت بخالقها، اتصل بها الوجود كله.
دعوة واحدة نشرت عليهم الرحمة.. «ربنا آتنا من لدنك رحمة».. «فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته»
فضُربت عليهم سكينة الحواس فلا ضجيج للمكان يصمّ الآذان ولا قلق صاخب ينبعث من الزمان، رعتهم الشمس وحفظتهم الأبدان تقلّبوا حقيقة ومجازا بين يدي الرحمة.
رحمة نجاة وحفظ وآية، لم تقتصر عليهم وحدهم ولم تكن عجبا كما قال الله.. الكهف ليس مكانا فحسب بل حالة وأنت يا من تقرأ رأيت من هذه الأحوال ما تعجبت به وكم من قصصٍ وأصحاب كهفٍ أذهلوا غفلاتنا!
هل أتاك حديث فتية الأنفاق؟
«أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا؟»
ثانيا: صاحب الجنتين
قصة إنسان غرتهُ سعة مُلكه فأخذت فتنته مراتب، بدأ بالزهو والاستغناء إلى إنكار البعث!
«ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة»
يؤدب الإسلام صاحبه بأن ينظر إلى نعم الله على أنها فضل ومنّة ومن دعاءنا « اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت» فنتعلم حفظ المعطيات من شر نفوسنا وعبادتها وحفظ نفوسنا من شر المعطيات وعبادتها.
هذا المسكين لفّه الزهو بجنته مبلغ السُكْر والعمىٰ ولم يذره ربنا فردا "رحمة به" فبعث فيه صاحبه المؤمن حجة وتذكرة فلم يرجع
«.. أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا!»، فأحيط بثمره وعوقب بالمنع إرغاما لأنفه إلى أن ندم على شركه بالله فقال: « يا ليتني لم أشرك بربي أحدا»
إنَّ فتنة صاحب الجنة تخبرنا أنَّ كل ما نجمع من مال ومُلك ليس سوى اختبار وبلاء في صورة بارعة الجمال.
والرحمة الإلهية قد تتجلى أحياناً في صورة سلب النعمة إذا كانت تلك النعمة ستحول بين العبد وبين خالقه.
وكم من عبدٍ ظن أن ماله يغنيه ولن يملأ عينيه سوا التراب الذي خُلق منه، وكم من صاحب كان رحمة له ذكّره فأبى!
هل أتاك حديث الاستهلاك وألهاك التكاثر؟
«وربك الغفور "ذو الرحمة" لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب...»
ثالثا: موسى والخضر
قصة موسى والخضر هي رحلة استثنائية تأخذنا من شهود "الأسباب" وما نراه ونفهمه، إلى غيب "الأقدار" التي يدبرها الله بحكمة ودقة بالغة!
في مستهل القصة وصف الله عبده الخضر: {آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}. فقدم "الرحمة" على "العلم"، وكأن الآية تخبرنا أن العلم الذي لا ينبع من الرحمة هو علم جاف مبتور، وربما كان وبالاً على صاحبه.
فتأتي تجلّيات الرحمة في قلب المحنة في أفعال الخضر (خرق السفينة، قتل الغلام، بناء الجدار)
ثلاثة مشاهد باطنها فيه الرحمة وظاهرها من قبله العذاب!
في السفينة: كانت الرحمة في "العيب" الذي حفظها من المصادرة.
في الغلام: كانت الرحمة في "الفقد" الذي حمى إيمان الأبوين؛ رحمة بالولد من الطغيان، ورحمة بالوالدين من الكفر.
في الجدار: كانت الرحمة في "العمل بلا طلب ولا أجر" الذي حفظ حق الضعفاء ببركة صلاح الآباء.
َ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
وإذا كانت رحمة العلم تتطلب صبرًا على أقدار الله الغامضة، فإن رحمة التمكين تتطلب شكرًا على نعم الله الواضحة فماذا فعل ذي القرنين؟
رابعا: ذو القرنين
حين تكون القوة رحمةً لا قهرًا!
ننتقل من رحمة الخفاء مع الخضر إلى رحمة الظهور مع ذي القرنين، هنا نجد "فتنة السلطة" والتمكين في الأرض وهي الفتنة التي تزلُّ فيها أقدام الجبابرة، لكن ذي القرنين كان يرى تمكنه وقوته "أمانة" لا "استعلاءً".
حين وصل ذو القرنين إلى القوم الذين لا يكادون يفقهون قولاً، لم يستغل ضعفهم أو يفرض عليهم خراجاً، بل جعل علمه وقوته سداً يحميهم، وبعد أن أتم بناء السد العظيم ولم يعجز عنه، لم يقل "هذا بذكائي" أو "من أشد مني قوة!" بل قال بلسان العبد الشاكر: {هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}.
رحمة تتجاوز الحدود الجغرافية لتمنع المستضعفين، وهي القوة التي لا تظلم، بل تدرء الظلم.. إن الرحمة هنا هي "العدل" الذي يحفظ للضعيف حقه وللخائف أمنه.
أليس شديـدًا أن تلم ملمةٌ...
وليس علينا في الحقوق معوَّلُ؟
مع نظري في أوجه الرحمة في سورة الكهف في طيات شهر الرحمة هذا وفي ما نلقى من نوازل، أدرك حقيقة أن هذه السورة درع روحي يقينا نحن اليوم ويحفظنا من أهوال ما نرى وسنرى!
في فتنة الدين، كانت الرحمة "إيواءً" (فأووا إلى الكهف).
في فتنة المال، كانت الرحمة "تذكيرًا" (وربك الغفور ذو الرحمة).
في فتنة العلم، كانت الرحمة "لطفًا خفيًا" (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).
في فتنة السلطة، كانت الرحمة "أدبًا وتمكيناً وإصلاحاً" (هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي).
إن سورة الكهف تعلمنا أن الفتن -وإن عظمت- تتقزم أمام رحمة الله، وإذا كان الخوف والقلق والهلع هو سمت هذه المرحلة البشرية، فإن الاعتصام بالكهف هو اعتصامٌ بالرحمة التي تسبق غضب الله، وبالبصيرة التي تخترق ح
جب البلاء.
فـ يا رب هب لنا من لدنك رحمة وهييء لنا من أمرنا رشدا.

